ابن الجوزي

581

كتاب ذم الهوى

ولو قدّرنا وجوده باللمحة فأثّر محبة سهل قمع ما حصل . وقد أخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أنبأنا المبارك بن الجبار ، قال : أنبأنا أبو محمد الجوهري ، عن أبي عمر بن حيّويه ، عن ابن المرزبان ، قال : حدثنا عبد اللّه بن عمرو ، قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثني عبد العزيز بن عمران ، عمّن حدّثه قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إني رأيت امرأة جميلة فعشقتها . فقال عمر : ذاك ما لا يملك . فإن قيل : فما علاج العشق إذا وقع بأول لمحة ؟ . قيل : علاجه الإعراض عن النظر ، فإن النظر مثل الحبة تلقى في الأرض ، فإذا لم يلتفت إليها يبست ، وإن سقيت نبتت ، فكذلك النظرة إذا ألحقت بمثلها . فصل : فإن جرى تفريط باتباع نظرة لنظرة ، فإن الثانية هي التي تخاف وتحذر . فلا ينبغي أن تحقر هذه النظرة ، فربما أورثت صبابة صبّت دم الصّبّ . أنشدنا ابن ناصر ، قال : أنشدنا أبو زكريا ، قال : أنشدنا ابن نحرير البغدادي : تولّع بالعشق حتى عشق * فلما استقلّ به لم يطق رأى لجّة ظنها موجة * فلما تمكّن منها غرق ولما رأى أدمعا تستهل * ل وأبصر أحشاءه تحترق تمنّى الإفاقة من سكره فل * م يستطعها ولم يستفق وعلاج هذه النظرة ، بالنظر فيما تقدم ذكره ، من الأمر بغض البصر والتحذير من شر النظر ، وخوف العقوبة من اللّه سبحانه عاجلا وآجلا ، والحذر من سوء عاقبتها وما تجرّ وتجني .